الويل لكم أبناء المشاهير

بقلم د/ شيرين العدوي


الثقافة في منظورها العميق هي الفهم لعلاقة الإنسان بالكون وكيفية التعامل مع مفرداته. وأعظم الكتاب إبداعا وتأثيرا الذين يحاكون قصة وجود الإنسان على الأرض وصراعه من أجل الخلود الأبدي. وكلما جلَّى المبدع المشاعر الإنسانية الحقيقية الإيجابية منها أو السلبية في أعماله كلما ازداد قربا من العالمية؛ لأن الإنسان هو العالم. فالمبدع الذي يقف علي قدميه يمتلك المساحة التي يقف عليها فقط، بينما المبدع الذي يقف على مبادئه يمتلك العالم. هكذا تبين لي موقف “ديستوفسكي” (1821-1881م) المبدع والمثقف الروسي الكبير الذي قرأه أغلب الناس في العالم وتعلموا منه ونحن في مصر كنا أكثر تأثرا به وبالفكر الروسي. لم يبتعد “ديستوفسكي” عن السياسة بشكل معلن حيث مُنِىَ بالحبس سنة (1849م) لمدة 4 سنوات مع الشغل الشاق بعد أن تم تخفيف الحكم من عقوبة الإعدام إلي السجن لكونه أحد أعضاء جماعة “دائرة بتراشيفيسكي” أو التفكير المتحرر. ورغم أن النقاد يصنفونه فيلسوف النفس البشرية حيث قدم تشريحا إنسانيا بديعا لأبطال رواياته فإنه أيضا وضع أيدينا على الحالة السياسية والاجتماعية والروحية لروسيا في زمن القياصرة . وقد لفت نظري الكتاب البديع لسيرته الشخصية باسم “أبي فيدور ديستوفسكي” ترجمة د/أنور إبراهيم العالم الجليل، برواية ابنته “لبوف دستويفسكايا” (1869- 1926م) التي مات عنها والدها وهي في عمر الاثني عشر عاما مورثا لها نفس المرض الذي توفي به وهو “الصرع” بعدما زرع فيها شغفه بالثقافة، ومع ذلك لم يستطع أن يورثها موهبته الفذة. تحكي لنا ابنته عن موقفه السياسي من المجتمع الروسي فتذكر لنا أن أباها لم يكن روسيا إلا من جهة أمه “الموسكوفية” بينما أصول أبيها “ليتوانية” حيث ينحدر الليتوانيون من مزيج من العرقين السلافي والفنلندي التركي، ورغم ذلك تذكر لنا موقف أبيها من الحرب الروسية التركية المسماه حرب القرم (1853-1856م) واختلافه مع كاتب آخر مهم وهو تولستوي (1828-1910م) حيث دافع ديستوفسكي عن تحرير الشعوب السلافية وتطور فكرها القومي الحر، كما أظهر استياءه من المعاملات الوحشية للأتراك تجاه الصرب والبلغار، ونادي بتحرير هذه الشعوب المعذبة وأن هذا واجب روسيا لاتفاقها مع تلك الشعوب في العقيدة والجنس . بينما كان يرى تولستوي أن روسيا ليس أمامها شئ لتفعله في البلقان، وأن عليها أن تترك السلافيين لمصيرهم، بل زاد أن أعلن أنه لا يشعر بأي تعاطف تجاه الفظائع التي ترتكبها تركيا ضد ضحاياها من البلغار. وقد هاجمه دستوفيسكي في “يوميات كاتب” قائلا : ” كيف استطاع ألا يشعر بأي تعاطف؟ الأمر بالنسبة لي يبدو لغزا”. وقد حلت لنا ابنته هذا اللغز حين كشفت عن أصول تولستوي الألمانية وعلاقته ذات الطابع البروتستانتي بالمسيحية الأرثوذكسية حيث ظل محتفظا بالروح الألمانية وعقيدتهم البروتستانتية مع إعلانه أنه أرثوذوكسي. ورغم أنه أصبح سلافيا بحكم استقرار جدوده التجار في روسيا وتزاوجهم من طبقة النبلاء فإنه لم يحس آلام الفلاحين السلافيين في هذه الحرب . لم يلتق ديستوفسكى بتولستوي أبدا في الحياة ولكن كان بينهما تقدير كبير واحترام متبادل؛ فكل منهما سعى عن طريق الثقافة لإصلاح بلده. وقد جمع القدر بين ابنة ديستوفسكي “لبوف” وابن تولستوي “ليف” حيث مارس كلٌ منهما الكتابة ولكنهما لم يصلا إلي شهرة و عبقرية آبائهما . حتى إن ليف صاح يوما “الويل لكم يا أبناء المشاهير” تعبيرا عن طغيان شهرة الآباء الكتاب على الأبناء. تظل السير الذاتية بابا للتاريخ يؤكد لنا أن الثقافة ليست ترفا ولكنها قضية أمن قومي.

إغلاق