رقعة جديدة على ثوب عتيق

بقلم د/ شيرين العدوي


عادة ما يحدث بعد الثورات العنيفة اختلال في القوى الاجتماعية الجديدة لأطياف المجتمع مما يحدث تنافرا في الأفكار التي يتعامل بها، ويتألف منها، وينتج عنها ميول وانفعالات وآراءٌ متضاربة ومتناقضة لم تكن النظم القديمة قد هيئت لتقبلها بعد؛ ذلك لأن النظم القديمة تظل مسيطرة على مفاصل الدولة بعد الثورات مباشرة، وعادة ما يرفض أفراد المجتمع الجديد الحلول التى تخرج بها تلك النظم لأنهم فقدوا الإيمان تماما بما تفرضه وإلى الأبد وإلا لما قاموا بالثورة أساسا. إنهم لا يفكرون أبدا في الجانب المشرق من النظام السابق مهما كان ملهما لأخذ الجيد منه والبناء عليه ولفظ السئ، بل يرفضونه جملة وتفصيلا. وهذا يذكرنا بما قاله أرنولد توينبي في كتابة “مختصر دراسة للتاريخ” مؤكدا كلامه بمقولة السيد المسيح في الإصحاح التاسع من إنجيل متى : ” ليس أحد يجعل رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق. لأن الملء يأخذ من الثوب فيصير الخرق أردأ. ولا تجعلون خمرًا جديدة في زقاق عتيقة؛ لئلا تنشق الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف. بل يحملون خمرا جديدة في زقاق جديدة فتحفظ جميعا”.
فقول المسيح يضع لنا الحلول لأننا إذا ما حاولنا ترقيع الثوب القديم يتشوه الرتق والثوب معا مهما كانت مهارة الخيَّاط. والخمر القديمة تتلف الزجاجات الجديدة لأن طبيعتها تحلل ذرات زجاج القنينات الجديدة ولا تتفق معها. إن هذا ما حدث مع المجتمع المصري عندما قام بثورتين في العشر سنوات الأخيرة: ثورة أولى دخلتها طوائف متعددة وأطماع دول تريد الانقضاض علي مصر فقد لعبوا علي القِدر الذي غلى في الصدور حتى انفجر وثورة ثانية صححت مسار الأولى.وعلى النظام السياسي أن يعي ونحن نمر بمنعطف خطير أن سيناريو التفكيك المجتمعي الذي عملت عليه القوى المعادية لمصر والتي أبانت عن أنيابها في الأيام الماضية يظهر على السطح في وقت الشدائد ولا يجب أن يفت هذا في عضد القرار السياسي الحكيم . هذا التفكك بات ظاهرا للجميع. وقد انقسم إلى ثلاثة فصائل: فصيل أول مع النظام القديم وتربطه به مصالح اقتصادية عميقة أدت لترابط اجتماعي متين بينهما أيضا إذ يصلون أحيانا إلى حد الصهر والنسب وخصوصا في سنوات الضعف الأخيرة لهذا النظام ،
ويرتبط به مجموعة من المنتفعين وبعض”ملح الأرض” من المُعْوَزين .
فصيل ثان وهو مرتبط بالإسلام السياسي الذي ظهر علي السطح، وعلت أسهمه عندما تولي الحكم عقب الثورة الأولى بدعم من القوى المعادية لمصر التي عملت علي زرعه من سنوات طويلة، وترتبط مصالحه بالنظام القديم من جهة لأنه هو الذي أعطاه فرصة الظهور وإن لم يظهر ذلك في العلن، ومن جهة أخري بالموالين لهم وهم مجموعات لا يجب الاستهانة بهم تعمل في الداخل بتمويل من الخارج. وتكمن خطورة هذا الفصيل في أن أكثر من ينتمون له هم الفئات الفقيرة، والشباب النشط الذين فرخوا من آباء ينتمون لهذا الفصيل ومن وكذلك المؤلفة قلوبهم الذين يتم التأثير عليهم بالدعم المادي، وبالتلويح بالأماكن المميزة في المجتمع ذلك تحت مظلة كبرى هي الدين.. ومن يرفض مظلة الدين!
فصيل ثالث وهو نتاج الثورة الثانية يوالي النظام الحالي ويؤمن به ويناصره، وينقسم إلى فئة ثورية وطنية تقف مع التغيير وتلفظ الفصيلين الأول والثاني. وفئة ثانية متلونة تلعب على كل الأنظمة وأصحابها و هؤلاء أيضا من المؤلفة قلوبهم ولا أمان لهم . وفئة ثالثة من المعوزين (ملح الأرض) تصعد بفعل اهتزاز تربة المجتمع إثر الثورات عادة وهؤلاء يكون ولاؤهم أشد لأنهم ذاقوا مرارة الحرمان من الأنظمة السابقة.
ومن المأمول أن تكون هناك مجموعات من الشباب والمثقفين وقيادات الدولة تعمل على رأب الصدع الذي شق المجتمع، مع التركيز علي أحوال الطبقات الدنيا وسد حاجاتها لئلا ينقلب أصحابها أو يتم استقطابهم من الفصائل الأخرى. إننا لايجب أن نضع الخمر القديمة في الزقاق الجديدة ، بل يجب صهر المجتمع مرة أخرى في بوتقة جديدة ليصبح خمرا جديدة تصب في الزقاق الجديدة. حمى الله مصر وسدد خطاها. ” إن ينصركم الله فلا غالب لكم”.

إغلاق