” زرياب ” أستاذ الموسيقي وفنون الحياة

كتبت – مروة الحمامصى
يعتبر ” زرياب ” من أبرز أساتذة الموسيقي وفنون الحياة فهو أبو الحسن علي بن نافع المعروف بزرياب . وزرياب كلمة فارسية تطلق على طائر أسود اللون حسن التغريد , وكان ذلك ينطبق على زرياب , أما كونه طائراً يهجر عشه الأثير , فيطير لأماكن أخرى ناقلاً معه أي شيء يقدرعلى حمله فذلك ماحدث له بالضبط . حيث كان مغنياً وموسيقياً بارعاً يعيش في بغداد ثم هاجر للغرب , ولابد أن نتوقف ونوضح من هي بغداد في ذلك الوقت .
بغداد هي أغني و أرقى عواصم العالم وقتها كانت عاصمة الخلافة العباسية التي قضت على الخلافة الأموية بشكل دموي , وتم تأسيسها عام 762م . فسكنها مختلف الأجناس من الفرس و الروم والصينيون و الهنود , ونقلوا علومهم ومظاهر حضارتهم وثقافتهم وفنونهم , كما كانت بغداد مركزاً للترجمة لما تركه الفرس والهنود والسريان والاغريق والمصريون , وكذلك ازدهرت فيها صناعة الورق ونسخ الكتب وتجليدها لتوثق تلك المعارف قديمها وحديثها , وقد بنيت بها القصور و المباني الجميلة و الشوارع النظيفة وغيرها من مظاهر الحياة الراقية , والتي نشأ فيها زرياب , وكان تلميذاً للمغني العراقي الكبير اسحاق الموصلي , وقد حدث أن غنى زرياب أمام هارون الرشيد فأعجب الخليفة بفنه , فحقد عليه اسحاق الموصلي وعمل على اقصائه , فخيره بين الرحيل عن بغداد , والبقاء فيها عرضة لإيذائه , فاختار زرياب الرحيل غرباً , فلما وصل لافريقية اتصل بصاحبها زيادة الله بن الأغلب , لكنه لم يطب له المقام , فرحل للمغرب وكتب للأمير الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الأندلس , فرحب به و أرسل له المغني منصور اليهودي ليصحبه للأندلس , وهنا لنا وقفة أخرى لنتساءل لما اختار زرياب الأمير الأندلسي الحكم ليتواصل معه ؟
فالحكم بن هشام كان شاعراً, يحب مجالس الغناء , و كان ينظم الشعر ويقترح على جواريه غناءه , وقد هاجر إليه اثنان من مغني المشرق هما علون وزرقون , وكان في بلاط قصره أيضاً المغني منصور اليهودي , وكان له ابن يدعى المغيرة يشاركه حب الغناء . وذلك لم يكن غريباً على الأمراء الأمويين في الأندلس فقد كان جده عبد الرحمن الداخل يحب الغناء , وكان يشتري الجواري المدنيات – كانت المدينة المنورة وقتها مركزاً هاماً لتعليم الجواري الموسيقى والغناء من المشرق والمغرب على حد سواء– فكانت له جواري بلغن مكانة كبيرة من الفن ذكر التاريخ منهن فضل وكانت جارية لابنة هارون الرشيد , علم , العجفاء , قلم الأندلسية , و قد أسس لهن عبد الرحمن الداخل داراً عرفت بدار المدنيات لأن أغلبهن تعلمن هناك , فكان من الطبيعي أن يرى زرياب في هذا المناخ المناسب له , اضافة إلى رغد العيش في الأندلس , وبعدها عن سلطة الدولة العباسية التي قد يطوله الأذى على أراضيها من استاذه اسحق الموصلي .
وبمجرد أن وصل زرياب للشاطئ الأندلسي حتى وصلت الأنباء بوفاة الحكم , فأراد العودة للمغرب , إلا أن المغني منصور , أراد أن يقدم للأمير الجديد عبد الرحمن الأوسط هدية يوطد بها علاقته معه , فأرسل سريعاً لعبد الرحمن يخبره بما عزم عليه زرياب , فرد عليه الأمير سريعاً باستبقاء زرياب وطلب حضوره لقرطبة , بل وأمر عماله على مختلف المدن في الطريق بحسن استقبال زرياب , وعندما وصل قرطبة استقبله الأمير بنفسه في احتفال , و أنزله داراً من أفضل الدور , بها كل مايحتاج إليه , وكان هذا بداية سعد على زرياب حيث استقبله الأمير عبد الرحمن بعد ثلاثة أيام في قصره , و أقر له مائتي دينار كراتباً شهرياً , وعشرون ديناراً شهرياً لأولاده الذين أتوا معه , وكانوا أربعة ” عبد الرحمن ,و جعفر , و عبيد الله , ويحي . ولكل عام له ثلاثة آلاف دينار , منها لكل عيد ألف دينار , ولكل مهرجان ونيروز خمسمائة دينار , و أن يكون له من الطعام العام ثلاثمائة ثلثاها شعير وثلثها قمح , وأعطاه من الدور والضياع مايقدر بأربعين ألف دينار .
وإذا كان الأمير عبد الرحمن الأوسط , لم يبخل على زرياب في العطايا فقد تشبه بالخلفاء العباسيين في السخاء بالعطاء على واحد من أهل الفن , حيث أعجب بهم أيضا في ملابسهم ومظهرهم وفي احتجابهم عن الرعية لكسب الهيبة .
وقد انطلق زرياب ليبدع في الأندلس , فقد علم الأندلسيين طرقاً جديدة في الموسيقى من حيث كيفية بداية الغناء وانهائه , واضاف مقامات موسيقية جديدة حيث أدخل السلم الخماسي المعروف لأهل النوبة , وعلمهم أن يستخدموا قوادم النسر بدلا من الخشب في الضرب على العود ليساعد على نقاء الصوت وسلامة الوتر , بل واضاف وتراً خامساً في العود في الوسط . واخترع الموشحات التي اشتهرت في الاندلس , وقد أنشأ مدرسة لتعليم أصول الغناء بدأها بابنائه وبناته وجواريه حيث كان ابنه عبيد الله أفضلهم يليه عبد الرحمن , وكانت بنته حمدونة أفضل بناته في الفن ,و أفضل جواريه كانت تسمى متعة وقد أهداها بعد ذلك للأمير عبد الرحمن , وقد تتلمذ في تلك المدرسة الكثير ممن نشروا الفن في الأندلس .
ومثلما نقل زرياب فنون الشرق وطورها , وعلمها لأهل الأندلس , فقد نقل ايضا لهم فنون الحياة ورغد العيش , فربما كانت معيشتهم ميسرة ولكنها لم تكن راقية كالشرق , فليس كل غنياً استطاع التمتع بكل مايملك , فغير كل هذا زرياب , وعلم أهل قرطبة , أن ليس كل ملبس غال راق , بل أن الملبس الراق الجميل هو من يناسب الوقت , والمناسبة المخصصة له . فحث الناس على تغيير الملابس لتكون مناسبة لفصول السنة المختلفة , فعلم الناس لبس الأبيض من شهر يونيه إلى أول أكتوبر , ثم يليها ثلاثة أشهر يلبسون فيها الملابس الملونة , وجعلهم يلبسون في الربيع ملابس لا بطائن لها , وفي آخر الصيف وأول الخريف يلبسون ملابس ملونة خفيفة ذات حشو وبطائن كثيفة , وإذا اشتد البرد زادوا من تحت تلك الملابس بالفراء .
وايضا كان لزرياب الأثر الحميد في طعام وشراب أهل الأندلس , فربما تكون المائدة عامرة بالطعام الشهي وقد يرغب عنه الناس لسوء التقديم , فعلم الناس طريقة التسلسل المنظم في تقديم الأطعمة , فالبداية تكون بأطباق الشوربة والأطعمة التي تقدم ساخنة , ثم أطباق اللحوم والطيور المتبلة بالبهارات , وأخيرا أطباق الحلوي وعلمهم نوع من الحلويات يسمى “التفايا” وهو نوع من الفطائر المصنوعة من الجوز واللوز والعسل يشبه القطائف , و أيضا المعجنات المحشوة بالفستق والبندق والمعقودة بالفواكه المعطرة وقد سميت على اسمه “زريابيه ” ثم حرفت إلى زلابيه التي نعرفها الآن , وقد أدخل على المطبخ الأندلسي بقلية الهليون التي لم تكن معروفة هناك , ولم يقتصر تأثيره على الأطباق المقدمة بل امتد للمظهر العام لمائدة الطعام , فاختار غطاء المائدة من الجلد الرقيق بدلا من الغطاء المصنوع من القطن أو الكتان لأن الجلد أسهل في التنظيف , و أشاع بين الناس استخدام أواني الزجاج الرقيق بدلاً من أواني الذهب والفضة التي كانوا يتباهون بها , دون أن يفطنوا أن الزجاج لا ضرر منه على صحتهم , وترك الذهب والفضة لأصص الأزهار – إذا أرادوا من هذا زيادة في الجمال والرفاهية ومتعة للعين _ وعلم أهل الأندلس وضع المناديل على المائدة لمختلف الأغراض فذلك لليدين وتلك للفم , وذلك للجبهة و تلك للعنق , وهو أول من لفت أنظار النساء إلى أن مناديل المرأة يجب أن تكون مختلفة اللون والحجم وأن تكون معطرة أيضا.
وذلك الرجل الذي نقل للأندلس فن الذوق العام أو ما يسمونه الآن بالاتيكيت , كان هو مثالاً على ذلك فكان أنيقاً في ملابسه و كلامه وطعامه وشرابه . أقبل الناس على ابتكاراته في كل نواحي حياتهم , حتى أنه من أدخل الشطرنج للأندلس ومن بعدها انتقل لأوروبا .
وفوق كل هذا بهر أهل الأندلس بموسوعيته , فقد كان واسع الثقافة , يقرأ الآداب , وعالماً بالنجوم , وعلم الجغرافيا من تقويم البلدان ومناخها وطبائع أهلها وتشعب بحارها وتصنيف شعوبها .
وكان منطقياً أن يثير حسد المقربين من الأمير عبد الرحمن , فعارضه بعض العلماء والوزراء , بحجة عدم الاطمئنان لتلك البدع الشرقية القادمة من العراق , ومثال لهؤلاء : العالم والأديب والشاعر تمام بن علقمة , والشاعر يحيي الغزال فاضطر الأمير عبد الرحمن للتدخل وحماية زرياب , فنهر تمام بن علقمة , ونفي يحيي الغزال وصالح بين زرياب والوزراء . وقد فعل الأمير عبد الرحمن هذا لأنه رأى زرياباً علامة من علامات التقدم والازدهار في عصره , وليشهد التاريخ بأنه كان راعياً لمظاهر الحضارة الراقية ولو كانت قادمة من عند العباسيين الذين فتكوا بأجداده الأمويين . وقد توفي زرياب في ” 852 ميلادية – 238 هجريه ” قبيل وفاة الأمير عبد الرحمن الأوسط .
إغلاق