على مقربة من الورد

بقلم د/ شيرين العدوي

 

كم عمر الوردة ؟ قصير مهما طال . كم عمر الحديقة ؟ طويل بعض الشئ ربما يمتد لآلاف السنوات الضوئية بعمر الورود التي تتجدد كل يوم داخلها. ما نوع الوردة ؟ تتعدد بتعدد البذور، والتربة التي نشأت فيها، وبراعة اليد التي رعتها، فإن رعتها يد حانية ملهمة تعرف قدرها وتحافظ عليها خرجت جميلة المظهر والمخبر تسر الناظرين، وإن أهملت مرضت وأمرضت من حولها وأتلفت الحديقة. وأذكر هنا (المن) ذلك المرض الخبيث الذي يتناول الأخضر والمزهر في الربيع، فيترصد الورد ويختفي بين الأوراق ليمتص عصارته ويرديه قتيلا. فما إن يتعب راعي الحديقة طول العام بالاهتمام بها وخصوصا في فصل الخريف الذي يتخلق فيه جنين الوردة داخل سيقانها، فينقى الضار ليفسح المجال للجديد كي يخرج غضا نديا، متألقا في الربيع حاملا رائحة طفولة الورق الممتلئ بالفرح إلا ويتربص به في نفس اللحظة ذلك المن الأبيض مثل الدقيق؛ فينتشر بين تلك الأوراق الخضر وبين الورد الغض وسيقانه؛ فنجد الضعف والهزال للورد الجديد إذا لم ينتبه الراعى من البداية فإذا سها صعبت مقاومته و لو حاول بالمبيدات فسيترك ذلك المبيد آثاره الجانبية حتما علي الورد حتى لو نجح في القضاء على المرض .
إننى على مدار سنوات طوال من حياتي أرى مصر حديقة غناء متنوعة الزهور تحتاج إلى يد راع خبير يدرك جمالها وتنوعها، فينقي أوراقها ورودها من هذا (المن) قبل أن يجتاحها. هل تعرفون ما (المن) الذي يأكل زهور مصر؟ إنه الفساد والإفساد. الفساد الناتج من الظلم الاجتماعي، والرشوة، والمحسوبية، والخلل التعليمي وطبقيته، والخطاب الإعلامي البعيد عن النهج العلمي. والإفساد الناتج عن الإرهاب الذي قادته قوي خارجية موجهة ضرباتها على شكل موجات زرعتها في المجتمع منذ زمن طويل بدأت بتفكيك المنظومة الفكرية والمجتمعية سالكة طرقا متعددة ومنها التعليم، ثم تقوية اليمين المتطرف في مقابل اليسار المعتدل الذي يقود حركة الطبقات المتوسطة لخلخلة الطبقة العليا المسيطرة على الاقتصاد وزحزحتها لتنافسها الطبقات المتوسطة فتبدأ حركة الصعود الطبقى الذي يعيد للفقراء بعض حقوقهم.
إن ما حدث في مصر خلال سنوات عديدة هو اختفاء هذا اليسار المعتدل؛ ليظهر على الساحة اليمين المتطرف الذي قاد حركة الرجعية الاقتصادية والسير بالأفراد ناحية التشدد الذي أفرز لدينا الجماعات الإرهابية، في مقابل اليسار المتطرف الذي يدعو إلى الفصل النهائى بين الدولة والدين. فاحتار أفراد المجتمع الوسطيون بين الاتجاهين: اتجاه يغلق العقول ويقود الناس نحو التحجر والجمود، واتجاه يفرغ الدنيا من الدين مما أدى إلي كثرة أعداد اللا دينيين وخصوصا بين الشباب. ولست ضد التنوع ولا أتدخل في اختيار الفرد لطريقته في الحياة، فلو شاء ربك لوحد الأديان. لكنى أرى أن على الدولة ومؤسساتها دورا لإعادة النظر فى أهمية الدين كمتطلب فطري يحتاجه الإنسان ليقاوم (المن) وتستقيم الحياة . إذ لو ترك البشر على فطرتهم لعرفوا الله والقيم الدينية الوسطية . أكتب هذا وأنا على ثقة أن القيادة السياسية قادرة على إعادة هذا التوازن الفكري المجتمعى فلدينا قيادة حقة قوية تستطيع ذلك حتى ننقذ ورد مصر ؛ وليس أدل على ما أقول من تلك العمليات الإرهابية العسكرية التى تمت على أرض سيناء والعالم كله يعاني من حرب فيروسية، فلم يرحم “المن” القاتل ورد مصر وأراد أن يوجعنا مع اقتراب احتفالنا بعيد تحرير سيناء فاستشهد على يديه من وردنا محمد الحوفي، و من قبله أحمد المنسي وغيرهما الكثير. وأنا على ثقة أن راعي حديقتنا قادرعلى تنقيتها، وإعادة رونقها و بث الجمال فيها.

إغلاق