فيروس شوفونا اخطر من فيروس كورونا

بقلم – نورهان البطريق

ظهرت الأيام الأخيرة الماضية مبادرات طيبة ، تهدف إلى تكافل عائلات العمالة المؤقتة خلال الأسابيع القادمة ، ولا أحد يمكنه أن ينكر نبل تلك المبادرات ،بل على العكس فهي تستحق منا كل الشكر والتقدير لأنها تنم عن أن مجتمعنا قادر على العطاء ، وبإمكان أفراده أن يحققوا التكافل الاجتماعي المطلوب لاسيما في أوقات الأزمات ، لأننا نتسم بنعمة الشعور بالغير ، ونتعامل بالعاطفة أكثر من تعاملنا بالمنطق.

نحن لا نمانع عندما يكون هذا الأمر تحت إشراف جمعيات عامة ، تتمتع بقدر كبير من الثقة و المصداقية ، و معروف لنا جهات إنفاقها، و لكن نقطة الخلاف في هذا المضمار تكمن في الجهود الشخصية التي يقوم بها البعض من أجل تحقيق الشهرة والتي تعتمد بشكل أساسي على التصوير و رفع الصور على الفيسبوك على هيئة فيديوهات حتى يلقى من المتابعين تصفيقا حادا متمثلة في صورة تعليقات تشمل (نصير الغلابة ،ورجل الكرم والشهامة ) وما شابه ذلك من عبارات ،فقد يصل الأمر إلى الشير ،فقد تقوم أفراد العائلة الواحدة بمشاركة الفيديو على صفحاتهم من باب الزهو والفخر.

ليس لي دخل بما يفعله مثل هؤلاء ، ولا يمكنني أن أحكم على نواياهم فكل واحد حر في تصرفاته، ولا يجوز أن نكون قضاة على بعضنا البعض ، فالخالق وحده المطلع على القلوب ، وهو وحده الذي يعلم ما إذا كانت هذه الأفعال يقصد بها ابتغاء مرضاته أم بهدف تحقيق أغراض شخصية. ولكن ما جعلني أخرج عن صمتي هو أنه حينما كنتُ أرى تلك الفيديوهات ، كنتُ ألمح سحابة الحزن تغزو وجوه المحتاجين و كذلك فزعهم الشديد عندما يتفاجأون بكاميرات التصوير تقتحم خصوصيتهم وتغتال ملامحهم البريئة دون استئذان، علينا حينها أن نشعر بالخزي حينما يتراءى لنا أنهم يدفنون رؤوسهم بين أيديهم حتى لا تظهر قسمات وجوههم كاملة ، أو أنهم يختبئون خلف أبواب منازلهم الهالكة، وكأنهم مقترفون ذنبًا يستحقون عليه العقاب.

ولا عقاب أبشع من التصوير وجعلهم على مرأى و مسمع من الجميع ، ألا يكفي شعورهم بالحزن جراء فقرهم وقلة حيلتهم و عجزهم عن توفير ما يحتاجونه من ضروريات لاسيما خلال هذه الأيام العصيبة التي تمر بها البلاد ، ليأتي إليهم ثمة بشر ليضيفوا إليهم حزنًا آخر ، ليجعلوا منهم أداة يتناولونها على شبكات التواصل الاجتماعي كيفما يشاؤون، لمجرد أن الطرف الآخر لا يملك حق الموافقة أو الاعتراض على ظهوره ، فهناك سبل كثيرة يمكن أن تتحقق من خلالها الشهرة إلا تلك التي تعتمد على حاجة الناس إلى طعام، لا تكن حليفًا مع الفقر عليهم ،ولا تكن السياط الآخر الذي ينهال عليهم من فرط الاحتياج، يكفيهم سياط الفقر ، فمهمتنا أن نرسم الفرحة على وجوههم لا أن نزيد عليهم بأكوام من الهم ، حقق شهرتك كما يروق لك ،ولكن ابتعد عمن يدفع بهم الفقر إلى فعل أشياء لا يرغبون القيام بها ،ولكنهم يفعلونها على مضض في سبيل الحصول على رغيف عيش وشربة ماء.

إغلاق