في محبة العلم والعلماء

بقلم د/شيرين العدوي

قرأت إعلانا لطيفا ضمن الإعلانات التي تظهر عظمة مصر ومكانتها يتداوله الأصدقاء على منصات التواصل الاجتماعي؛ فحواه منحة علمية موجهة من مصر لطلاب المملكة البريطانية الراغبين في استكمال دراساتهم العليا بكلية الطب. لقد زاد هذا الإعلان من شموخي وفخري؛ إذ كان التعليم في مصر حلم الجميع ، و أيادي مصر البيضاء في مجال التعليم والبحث العلمي مشهود لها به بين الدول العربية ولا يمكن إنكاره.

يأخذني هذا إلى قضية أصالة البحث العلمي في مصر وجدّته. إن دور الجامعة ينقسم إلى قسمين: الأول: دورها التعليمي ويتمثل في تخريج طالب متميز مشهود له بالكفاءة في مجاله الذي درسه. الآخر: مدي إسهامها في تطوير البحث العلمي محليا ودوليا. ومن الجانبين السابقين يتم تقييم الجامعات عالميا.

لدينا وزير للتعليم العالي لديه الكفاءة والرؤية لتطوير العملية التعليمية. قد تواجهه بعض التحديات فتقف حجر عثرة بسبب أنظمة تعليمية سابقة منها -علي سبيل المثال- الأعداد الضخمة المتوجهة للجامعات. وإصلاح هذا يبدأ من التعليم الثانوي و محاولة تغيير نظرة المجتمع الدونية إلى التعليم الفنى مقارنة بالتعليم الثانوي العام ، وهنا يأتي دورالإعلام والفن في تغيير تلك النظرة ولابد من ربط هذا النوع من التعليم بإنشاء كثير من المصانع التي تسهم في حركة الإنتاج التصنيعي بإتقان عالي الجودة يسهم في إعادة شعار “صنع في مصر”؛ سدا لما يحتاجه المجتمع، واستعادة لمكانة مصر الدولية . بل ومكافأة المتميزين في هذا المجال ليتم تشجيعهم وتقديمهم للمجتمع ودمجهم في منظومة الطبقات الراقية.

وفيما يتصل بالتعليم الجامعي علينا أن نتخلى عن فكرة الدرجات الكبيرة لدخول كليات القمة فلم يعد هذا الفكر موجودا في ظل التعليم الخاص مدفوع التكلفة، والاستعاضة عنه بقياس قدرات الطالب لتقبله للمواد التي سيتخصص فيها في كليته التي يحلم بها، ويشمل هذا -فضلا عن الامتحان التحريري- امتحانا في القدرات الذهنية والنفسية . مع ربط الكليات بسوق العمل التي تسهم في تطور المجتمع وتلبية احتياجات الفرد ودفع عجلة الإنتاج . ويأتي هذا من خلال دراسة سوق العمل جيدا، وتطوير الكليات بأحدث البحوث الفكرية والمعرفية ثم التطبيقية وربط هذا كله بالجامعات في الخارج للاطلاع علي أحدث الأبحاث ومحاولة تطبيقها من خلال منتج بيئي محلي يطمح للعالمية . وأعتقد أن هذا قد بدأ بالفعل من خلال الجامعة المصرية اليابانية، ونحن في انتظار المزيد.

أعلم أن الدولة توجه جهودها الآن لدعم البحث العلمي في مصر بشقيه النظري والتطبيقي عن طريق حلقات البحث العلمي المتواصل؛ ولكن ينقصنا العمل الجماعي كفريق بحيث يكون لكل أستاذ مجموعة من الباحثين عند استكمال دراساتهم العليا لدفع عجلة البحث مع ربط الفكر النظري بالفكر التطبيقي والاستفادة من البحوث التي ينتجها آلاف الطلاب وتلقى مهملة على أرفف المكتبات . ربما لو أقامت الدولة مركزا أو بنكا للبحث العلمي توضع فيها كل الدراسات السابقة النظرية والتطبيقية لساعد ذلك شباب الباحثين على استكمال الأفكار. كما يجب إلزام الدولة المصانع بتطوير نفسها عن طريق إفراد خط إنتاج خاص يتصل بالجامعة وبحوثها ومحاولة تطبيق تلك البحوث. ويتم تشجيع شباب الباحثين بالجوائز المالية والنشر الدولي، وتصعيدهم للجوائز العالمية. وهنا يجب إعادة النظر في نظام الترقي العلمي ، والتخلي عن السنوات التي تكبل الباحثين عند استكمال درجاتهم العلمية والاستعاضة عن ذلك بقيمة البحث المقدم ومدى أهميته في التطوير الفكري؛ على أن تتحول مهمة اللجان العلمية للترقية إلى إشراف ومتابعة وإنتاج لنقاط البحث الشاغرة التي يجب أن يتناولها الطامحون لاستكمال منظومة الترقيات باعتبارها أكبر هيئة علمية في المجتمع . فعلماء مصر قادرون علي ذلك والعمل الجماعي الجاد دافع للحب و الانتماء للوطن .

 

إغلاق