على حافة التطرف.

.بقلم عبد الله حسينعبر رحلة مجانية على نهر النيل جلسنا لتناول الغداء، وحينها تلى علينا رجل مهذب حديثا لرسول الله (ص) قائلا:(نحن قوم لا نأكل حتى نجوع.. وإذا أكلنا لا نشبع) لم أتمالك نفسي، حينما وقع أثر الكلمات على مسامعي لأول مرة، ورددت متسائلا: “لماذا لا نشبع والبطن لا تحمل أكثر من حاجتها”، وبقدر ما كان الرد فكاهيا، بقدر ما كان صادما للرجل المهذب.. تساءلت حينها ببراءة الأطفال لأن العبارة كانت حمالة أوجه، ومن وقتها سكنت ذاكرتي تلك الرحلة دون أن تبرحها، وأدركت أن إعمال العقل واجب.
حين وصلت إلى سن كبيرة، كان الفراغ الفكري يقتلني في كل لحظة، ألهث وراء قناعات بديلة لموروثات صدامية، تركت العقل فريسة لصراع الأفكار، دون انتصار لفكرة على الأخرى، قصدت المساجد، فشدتني دروس الروحانيات بين أوقات الصلاة، ورغم متعة قصص الأثر، فإنه يذهب بالمتلقي إلى متاهات الألم الغيبية، عبر الترهيب.. صوروا الرحمن الرحيم، وكأنه خلق البشر ليعذبهم، رغم أن اليقين الديني يؤكد رحمة الله عز وجل الذي هو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد وأرحم به من والديه، حينها تأكدت أن المنهج قد يكون سببا في سقم النفوس، فهناك فرقا بين حب الله والرعب من عذابه، منحت العقل برهة من الراحة، وعدت بعدها للبحث والتنقيب في كتب الصوفية، أفتش عن مسالك الزهد والحب، ورغم ثراء موروث التيار الصوفي وروحانياته المفعمة بالرقي والسمو، إلا أن تراثها عزلني عن الكون بأثره، ما يتناقض مع مبادئ عمارة الأرض والسعي في مناكبها وفق ما أمرنا به الخالق.
لم أجد فكرا يحتويني، بحثت كثيرا حتى أرهق العقل، فرحت بالعلم وأفكاره الجريئة، قرأت الكتب ومع مرور الأيام، فوجئت بتطرف الأفكار، وجدت نماذج تحترم العقل، ولا تحترم خالقه، فصارت بيني وبينه قطيعة، لتبدأ صداقاتي المتعددة في أوساط كثيرة، فانتهيت إلى نفس النتيجة، وحينها اقتنعت بأن التطرف لا يقتصر على الدين فحسب، وإنما قد يطول أي فكر أو نظرية، فالتطرف موجود يتخلل كل الأفكار.. النظرية الشيوعية حوت تطرفا فكريا ولم تخل الرأسمالية من نفس التطرف، والحل ليس في تعديل تلك الأفكار بقدر السعي إلى تطوير وسائل تحصين النفس البشرية ضدها.
دراسة النفس البشرية، أحد أهم عوامل نجاح الأنظمة الحاكمة والدول بصفة عامة، فما كان للغرب أن يتقدم دون أفكار علماء النفس والاجتماع، وحينما أردنا الاستفادة من تلك العلوم اقتبسنا مسمياتها فقط، «الموارد البشرية»، «الشئون الاجتماعية»، دون المضمون الذي يهتم بسلوك الطفل والطالب الجامعي والعامل في المصنع، ويعيد تقييم الأداء كاشفا عن السلبيات فيما يخص الأفراد والتنبيه على صانع القرار إذا تحولت السلوكيات الفردية الشاذة إلى ظاهرة، وبعيدا عن إشكالية الخطاب الديني وكتب التراث، التي جعلها المنظّرون سببا لانتشار العنف والتطرف، فإن الاهتمام بالنفس البشرية منذ الطفولة، يخلق أجيالا متزنة لا تنصاع إلى الأفكار المنحرفة حتى لو توترات على مسامعها بصفة شبه يومية، فحل الأزمة ليس في كتب التراث وتصويب الخطاب الديني فحسب، وإنما في تحصين النفس البشرية وصونها لئلا تكون عرضة للإصابة بفيروس التطرف، أياً كان.
المنظومة التعليمية المؤسسة على أطر علمية، قادرة على مناهضة بيئة التطرف بوسائل عدة، أهمها اكتشاف القدرات وتوظيفها، لإفراغ شحنات الطاقة، والبحث عن أوجه التميز وتنميتها ، فضلا عن تحسس الخلل في نفوس النشء ومحاولة إصلاحه، وكل هذا يجب أن يتزامن مع رعاية اجتماعية حقيقية، لا تقتصر على خصومات المصروفات المدرسية، وتعيين إخصائيين نفسيين واجتماعيين محترفين، وتطوير عملهم المتعلق بدراسة النفس ومسالكها عبر مراحل الحياة، لتنافس المدرسة والجامعة، البيئة الحاضنة للفرد، وتنتصر على أفكار التطرف في بعضها، بنظام تربوي رصين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق